الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

25

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

النفيسة . والأسر الثالث المبير سنة 588 قبل المسيح غزاهم « بختنصر » وسبى كل شعب يهوذا ، وأحرق هيكل سليمان ، وبقيت أورشليم خرابا يبابا . ثم أعادوا تعميرها كما سيأتي عند قوله تعالى : ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ [ الإسراء : 6 ] . وأما المرة الثانية فهي سلسلة غزوات الرومانيين بلاد أورشليم . وسيأتي بيانها عند قوله تعالى : فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ [ الإسراء : 6 ] الآية . وإسناد الإفساد إلى ضمير بني إسرائيل مفيد أنه إفساد من جمهورهم بحيث تعد الأمة كلّها مفسدة وإن كانت لا تخلو من صالحين . والعلو في قوله : وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً مجاز في الطغيان والعصيان كقوله : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ [ القصص : 4 ] وقوله : إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ [ الدخان : 31 ] وقوله : أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [ النمل : 31 ] تشبيها للتكبر والطغيان بالعلو على الشيء لامتلاكه تشبيه معقول بمحسوس . وأصل وَلَتَعْلُنَّ لتعلووننّ . وأصل لَتُفْسِدُنَّ لتفسدونن . والوعد مصدر بمعنى المفعول ، أي موعود أولى المرتين ، أي الزمان المقدر لحصول المرة الأولى من الإفساد والعلو ، كقوله : فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ [ الكهف : 98 ] . ومثل ذلك قوله : وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا أي معمولا ومنفذا . وإضافة وَعْدُ إلى أُولاهُما بيانية ، أي الموعود الذي هو أولى المرتين من الإفساد والعلو . والبعث مستعمل في تكوين السير إلى أرض إسرائيل وتهيئة أسبابه حتى كأن ذلك أمر بالمسير إليهم كما مر في قوله : لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ في سورة الأعراف [ 167 ] ، وهو بعث تكوين وتسخير لا بعث بوحي وأمر . وتعدية بَعَثْنا بحرف الاستعلاء لتضمينه معنى التسليط كقوله : لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ [ الأعراف : 167 ] . والعباد : المملوكون ، وهؤلاء عباد مخلوقية ، وأكثر ما يقال : عباد اللّه . ويقال : عبيد ، بدون إضافة ، نحو وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت : 46 ] ، فإذا قصد المملوكون